محمد بن علي بن أبي طالب
ابن الحنفية
رضي الله تعالى عنه

نسبه رضي الله تعالى عنه
هو الإمام اللبيب ، ذو اللسان الخطيب ، الشهاب الثاقب ، والنصاب العاقب ، صاحب الإشارات الخفية ، والعبارات الجلية ، أبو القاسم محمد ابن الحنفية.

ابن الإمام علي بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب ، شيبة بن هاشم ، عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ، القرشي الهاشمي ، المدني ، أخو الحسن والحسين ، أمه الحنفية خولة بنت جعفر ابن قيس الحنفيه ويقال بل كانت أَمه من سبى اليمامة زمن ابي بكر الصديق رضي الله عنه و هو شقيق الإمامين الحسن والحسين رضي الله عنهما.

وُلد محمّد سنة 16 هجريّة في العام الذي مات فيه أبو بكر رضي الله عنه ورأى عمر ، وروى عنه ، وعن أبيه ، وأبي هريرة ، وعثمان ، وعمار بن ياسر ، ومعاوية ، وغيرهم. عن ابن الحنفية قال: قال علي: يا رسول الله أرأيت إن ولد لي ولد بعدك أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟

قال: نعم فكانت رخصةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله تعالى عنه.

روى الربيع بن منذر الثوري ، عن أبيه قال: وقع بين علي وطلحة كلام ، فقال طلحة: لجرأتك على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سميت باسمه وكنيت بكنيته ، وقد نهى أن يجمعهما أحد.
قال: إن الجريء من اجترأ على الله ورسوله ، اذهب يا فلان فادع لي فلانا وفلانا لنفر من قريش ، فجاءوا فقال: بم تشهدون؟
قالوا: نشهد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: سيولد لك بعدي غلام ، فقد نحلته اسمي وكنيتي ، ولا تحل لأحد من أمتي بعده رواه ثقتان عن الربيع ، وهو مرسل.

زوجته و اولاده رضي الله تعالى عنه
وزوجته أمّ عون بنت محمّد بن جعفر الطيّار الهاشميّة، ويُقال لها أم جعفر، وهي تروي عن جدّتها أسماء بنت عُمَيس.
أمّا أبناؤه: فقد ذكرت المصادر أنّه كان له ثمانية، هم: عبد الله، والحسن، والحسين، وإبراهيم، وعون، والقاسم، وجعفر، وعليّ

خصاله رضي الله تعالى عنه
عن الإمام الباقر عليه السّلام أنّه قال: ما تكلّم الحسين عليه السّلام بين يدَي الحسن؛ إعظاماً له، ولا تكلّم محمّد ابن الحنفيّة بين يدَي الحسين عليه السّلام؛ إعظاماً له

وصفه رضي الله تعالى عنه
قال عبد الواحد بن أيمن: رأيت على ابن الحنفية عمامة سوداء.
وعن رشدين بن كريب: رأيت ابن الحنفية يعتمُّ بعمامة سوداء ويرخيها شبرا أو دونه.
تقدير اهل العلم له رضي الله تعالى عنه جاء في (أخبار السيد الحِمْيرَيّ للمرزبانيّ ص 164) أنّ محمّد ابن الحنفيّة كان أحدَ رجال الدهر في العلم والزهد والعبادة والشجاعة، وهو أفضلُ وُلْد الإمام عليّ عليه السّلام بعد الحسن والحسين عليهما السّلام.

وكتب الشيخ المفيد في (وقعة الجمل 179): لا بِدْعَ في ابن حيدرةَ إذا كانت له مواقف محمودة في الجَمل وصفّين والنهروان، وكانت الراية معه، فأبلى بلاءً حسَناً سجّله له التاريخ وشكره له الإسلام. وخطبتُه التي ارتجلها يوم صفّين في مدح أبيه عليه السّلام، وهو واقف بين الصفَّين، تشهد له بالفصاحة والبلاغة على أتمّ معانيها، فهو جليل القدر عظيم المنزلة.

وفي (منهاج الكرامة ص 175) قال العلاّمة الحلّي: كان محمّد ابن الحنفيّة فاضلاً عالماً.
فيما كتب الشهرستانيّ في (الملل والنِّحل 133:1): محمّد ابن الحنفيّة، كثير العلم غزير المعرفة، وكان مستودعاً لعلم الإمامة، حتّى سَلّم الإمامة (أي أقرّ بها) إلى أهلها.

فضائله رضي الله تعالى عنه
هو من الطبقة الأولى من كبراء التابعين, كان ورعا كثير العلم.
قال الزهري: كان محمد من أعقل الناس وأشجعهم، معتزلا عن الفتن وما كان فيه الناس.
أسند محمد بن الحنفية الحديثَ عن جماعة من الصحابة. وعامُة حديثه عن أبيه على بن أبي طالب عليهما السلام.
قال إبراهيم بن الجنيد: لا نعلم أحدا أسند عن علي أكثر ولا أصح مما أسند ابن الحنفية.
و قد ظهر في عهده فتنة كبرى بعدما قتل الامام الحسين رضى الله تعالى عنه

موقفه رضي الله تعالى عنه من فتنة الانقسام بين عبد الله بن الزبير ز عبد الملك بن مروان
اولاً: كيف حدثت الفتنة
لما تولى يزيد بن معاوية الخلافة سنة (60هـ/ 679م)، حرص على أخذ البيعة من الأمصار الإسلامية، فلبت نداءه وبايعته دون تردد، في حين استعصت عليه بلاد الحجاز حيث يعيش أبناء الصحابة الذين امتنعوا عن مبايعة يزيد ، وكان في مقدمة الممتنعين الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، غير أن يزيد بن معاوية ألحَّ في ضرورة أخذ البيعة منهما، ولو جاء الأمر قسرًا وقهرًا لا اختيارًا وطواعية، ولم يجد ابن الزبير مفرًّا من مغادرة المدينة والتوجه إلى مكة، والاحتماء ببيتها العتيق، وسمَّى نفسه "العائذ بالبيت"، وفشلت محاولات يزيد في إجباره على البيعة.

وبعد استشهاد الحسين بن علي في معركة "كربلاء" في العاشر من المحرم سنة (61هـ/ 10 من أكتوبر 680م) التفَّ الناس حول ابن الزبير ، وزاد أنصاره سخطًا على يزيد بن معاوية ، وحاول يزيد أن يضع حدًّا لامتناع ابن الزبير عن مبايعته، فأرسل إليه جيشًا بقيادة مسلم بن عقبة، غير أنه توفي وهو في الطريق إلى مكة، فتولى قيادة الجيش "الحصين بن نمير"، وبلغ مكة في (26 من المحرم 64هـ)، وحاصر ابن الزبير أربعة وستين يومًا، دارت خلالها مناوشات لم تحسم الأمر، وفي أثناء هذا الصراع جاءت الأنباء بوفاة يزيد بن معاوية في (14 من ربيع الأول سنة 64هـ/ 13 من إبريل 685م)، فسادت الفوضى والاضطراب في صفوف جيش يزيد .

توقف القتال بين الفريقين، وعرض (الحصين بن نمير) على ابن الزبير أن يبايعه قائلاً له: "إن يك هذا الرجل قد هلك (أي يزيد(، فأنت أحق الناس بهذا الأمر، هلُمَّ فلنبايعك، ثم اخرج معي إلى الشام؛ فإن الجند الذين معي هم وجوه أهل الشام وفرسانهم، فوالله لا يختلف عليك اثنان".

لكن ابن الزبير رضي الله تعالى عنه رفض هذا العرض، الذي لو قبله لربما تمَّ له الأمر دون معارضة؛ لأن بني أمية اضطرب أمرهم بعد موت يزيد بن معاوية ورفْض ابنه معاوية بن يزيد تولي الأمر، ثم لم يلبث أن تُوُفِّي هو الآخر بعد أبيه مباشرة. أعلن ابن الزبير نفسه خليفة للمسلمين عقب وفاة يزيد بن معاوية ، وبويع بالخلافة في (7 من رجب 64هـ/ 1 من مارس 648م)، ودخلت في طاعته الحجاز واليمن ومصر والعراق وخراسان وأكثر الشام بقي مركز الخلافة في دمشق وبعض بلاد الشام تحت سيطرة الأمويين، خرج عبد الملك بن مروان من المدينة في ربيع الآخر سنة 64هـ عند حدوث الفتنة واضطراب الأمر بالشام وظهور عبد الله بن الزبير بمكة والحجاز وإعلان نفسه خليفة للمسلمين، ولم تكد تمضِ ستة أشهر حتى تولى أبوه مروان الخلافة، لكنه لم يستمر سوي عشرة أشهر حتى توفي، فخلفه في رمضان من عام 65هـ عبد الملك بن مروان وأقبل عليه كبراء بني أمية وأمراء الجنود ورؤساء القوم وكبار رجال الدولة فبايعوه.

ولما آلت الخلافة الأموية إلى عبد الملك بن مروان جهز له جيشاً بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي فحاصره وضيق عليه واستمال عدداً كبيراً من رجاله، فاعتصم ابن الزبير بالمسجد الحرام ولكن الحجاج ضربه بالمنجنيق وأصاب الكعبة وهدم بعض أطرافها ثم اقتحم المسجد وقتل أمير المؤمنين ابن الزبير وكان ذلك في شهر جمادى الأولى سنة 73 هـ وعمره بضع وسبعون سنة. ودانت بموته البلاد الإسلامية لحكم الأمويين.

ثانياً: موقف الامام محمد بن علي من الفتنة
قبل حسم الصراع بين عبد الملك بن مروان و عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنه حاول كلا الكرفين اخذ البيعة من الامام محمد بن علي فلما رفض مبايعة ايا منهما فقام ابن الزبير رضي الله تعالى عنه بمنعه أن يدخل مكة حتى يبايعه فأبى أن يبايعه ، وأراد الشام أن يدخلها فمنعه عبد الملك بن مروان أن يدخلها حتى يبايعه فأبى فقد قال ابن سعد في (الطبقات): لما استولى ابن الزبير على الحجاز وقتل الحسين بعث ابن الزبير إلى ابن الحنفية يقول له: بايعني وبعث إليه عبد الملك بن مروان يقول له كذلك فقال لهما: إنما أنا رجل من المسلمين إذا اجتمع الناس على إمام بايعته فلما قتل ابن الزبير بايع عبد الملك.
قال الواقدي: حدثنا عبد الله بن جحفر ، عن صالح بن كيسان ، عن الحسن بن محمد بن الحنفية قال: لم يبايع أبي الحجاج ، لما قتل ابن الزبير بعث الحجاج إليه أن قد قتل عدو الله ، فقال: إذا بايع الناس بايعت.
قال: والله لأقتلنك.
قال: إن لله في كل يوم ثلاث مائة وستين نظرة . في كل لحظة ثلاث مائة وستون قضية فلعله أن يكفيناك في قضية من قضاياه.

وكتب الحجاج فيه إلى عبد الملك بذلك ، فأعجب عبد الملك قوله ، وكتب بمثلها إلى طاغية الروم وذلك أن صاحب الروم كتب إلى عبد الملك يتهدده بأنه قد جمع له جموعا كثيرة. وكتب إلى الحجاج: قد عرفنا أن محمدا ليس عنده خلاف ، فارفق به فسيبايعك. فلما اجتمع الناس على عبد الملك ، وبايع له ابن عمر ، قال ابن عمر لمحمد: ما بقي شيء فبايع ، فكتب بالبيعة إلى عبد الملك وهي: أما بعد ، فإني لما رأيت الأمة قد اختلفت ، اعتزلتهم. فلما أفضي الأمر إليك ، وبايعك الناس ، كنت كرجل منهم ، فقد بايعتك وبايعت الحجاج لك ، ونحن نحب أن تؤمننا ، وتعطينا ميثاقا على الوفاء؛ فإن الغدر لا خير فيه.

من اقواله
وعن محمد بن الحنفية قال: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لم يجد من معاشرته بداً حتى يجعل الله له فرجاً، أو قال مخرجاً.
قال محمد بن الحنفية: من كرمت عليه نفسه لم يكن للدنيا عنده قَدر.
وعنه قال: إن الله عز وجل جعل الجنة ثمناً لأنفسكم فلا تبيعوها بغيرها.

قال أبو بكر بن عبيد، وثنا محمد بن عبد المجيد أنه سمع ابن عيينة يقول: قال محمد بن الحنفية: يا منذر.
قلت: لبيك.
قال: كل مالا يبتغى به وجه الله يضمحل.

وعن علي بن الحسين قال: كتب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان يتهدده ويتواعده ويحلف له ليحملن إليه مائة ألف في البر ومائة ألف في البحر، أو يؤدي إليه الجزية.
فسقط في ذَرعه فكتب إلى الحجاج أن أكتب إلى ابن الحنفية فتهدده وتواعده ثم أعلمني ما يرد وتواعده عليك منه.
فكتب الحجاج إلى ابن الحنفية بكتاب شديد يتهدده ويتواعده بالقتل. قال فكتب إليه ابن الحنفية: إن الله عز وجل ثلثمائة وستين نظرة إلى خلقه وأنا أرجو أن ينظر الله عز وجل إلى نظرة يمنعني منك.
قال: فبعث الحجاج بكتابه إلى عبد الملك بن مروان فكتب عبد الملك إلى ملك الروم نسخته.
فقال ملك الروم: ما خرج هذا منك، ولا أنت كتبت به، ولا خرج إلا من بيت نبوة.

وفاته رضي الله تعالى عنه
ومات في سنة إحدى وثمانين وله خمس وستون سنة ودفن بالبقيع رحمه الله.
وقال الواقدي: أنبأنا زيد بن السائب ، قال: سألت عبد الله بن الحنفية: أين دفن أبوك؟
قال: بالبقيع ، سنة إحدى وثمانين في المحرم وله خمس وستون سنة.
فجاء أبان بن عثمان والي المدينة ليصلي عليه ، فقال أخي: ما ترى؟ فقال أبان: أنتم أولى بجنازتكم. فقلنا: تقدم فصل ، فتقدم.